أثار توجه وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر لمراجعة البرامج الجامعية وإغلاق غير الملائم منها تفاعلا واسعا على المنصات الرقمية، وسط نقاشات متباينة حول موازنة متطلبات سوق العمل مع الحفاظ على تنوع المسارات الأكاديمية.
وكشف الدكتور حارب الجابري، الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي، في حوار مع صحيفة الشرق، عن متابعة مستمرة لمخرجات البرامج الجامعية، مع إمكانية إعادة تصميمها أو إيقافها إذا لم تتوافق مع احتياجات السوق الفعلية.
وأوضح الجابري أن هذه المراجعات تتم بالتنسيق مع وزارة العمل وديوان الخدمة المدنية واللجنة الوطنية لتخطيط القوى العاملة، بهدف رسم خريطة دقيقة للتخصصات المطلوبة، وضمان استمرار انخفاض معدلات البطالة التي تبلغ نحو 0.1%.
وأشار إلى أن معيار “رضا سوق العمل” يمثل المرجعية الأساسية في تقييم البرامج، مع تحليل مسارات الخريجين وقياس مدى توافقهم مع احتياجات القطاعات المختلفة، في إطار الاستراتيجية الوطنية التي تستهدف رفع كفاءة الإنتاجية المهنية.
مساعدة الطلبة
ولفت إلى تركيز متزايد على تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لمواكبة التحولات الاقتصادية، مع بدء التوجيه الأكاديمي مبكرا منذ الصف التاسع، بما يساعد الطلبة على اختيار مسارات مدروسة دون إلغاء حرية الاختيار.
وفي سياق متصل، أكد المسؤول رفض طلبات جامعات أجنبية لا تستوفي شرط التصنيف ضمن أفضل 300 جامعة عالميا، إلى جانب رفض برامج تعاني تشبعا، مع تشجيع استقطاب تخصصات نوعية خصوصا في المجالات الطبية.
كما أشار إلى أن منظومة التعليم العالي تضم نحو أربعة آلاف طالب داخل الجامعات المحلية مقابل ألف مبتعث بالخارج، مع توجه الابتعاث نحو جامعات النخبة، ودمج القطاع الخاص في خطط الابتعاث لتغطية نحو نصف احتياجاته.
وأكدت الوزارة التزامها بتوفير بيانات محدثة حول التوظيف لمساعدة الطلبة في اتخاذ قرارات مدروسة، إلى جانب مراجعات دورية للمقررات الأكاديمية وتحديثها وفق متطلبات السوق، بما يحافظ على معايير الجودة العالمية.
تفاعل واسع
وأشعلت هذه التصريحات نقاشا واسعا على منصة الجسرة الإخبارية ومواقع التواصل، حيث اعتبر البعض أن ربط التعليم بسوق العمل قد يقيّد خيارات الطلبة، محذرين من إجبارهم على تخصصات لا تتناسب مع قدراتهم.
وانتقد متفاعلون ما وصفوه بتهميش التخصصات الإنسانية والاجتماعية، مؤكدين دورها في بناء الوعي المجتمعي وتنمية التفكير النقدي، ومحذرين من أن حصر التعليم في الاعتبارات الاقتصادية قد يخلق فجوات ثقافية مستقبلا.
في المقابل، دعا آخرون إلى مقاربة أكثر توازنا تقوم على تعليق القبول مؤقتا في التخصصات المكدسة بدلا من إلغائها، مع تكثيف التوعية المهنية وتسهيل التحويل بين المسارات داخل الجامعات.
كما حذر مغردون من توجيه الطلبة إلى تخصصات لا يرغبون بها، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى الفشل الأكاديمي، في حين أكد آخرون أن سوق العمل يستفيد من تنوع الخلفيات العلمية والمهارات التحليلية.
ويأتي هذا الحراك ضمن توجه حكومي أوسع لردم الفجوة بين التعليم وسوق العمل، حيث تعمل لجان فنية على مراجعة البرامج بشكل دوري، مع توقع صدور تقارير تفصيلية قريبا توضح التخصصات المشمولة بالتعديل أو الإغلاق.
ويبقى التحدي قائما أمام صناع القرار لتحقيق توازن دقيق بين ميول الطلبة ومتطلبات التنمية، وسط ترقب مجتمعي لنتائج هذه السياسات في بناء اقتصاد معرفي يعزز تنافسية قطر على المستويين الإقليمي والدولي.